أعود هُنا هذه المرة بعدما شبَّت الوقيعة بيني وبين هذا الكوكب التعيس العجيب الغريب. ألوذ بمدونتي، وعزلتي، وصمتي، والكتابة عن كل شيء بتفصيل يمنع استخدامه ضمن تناثر أوراق القصاصات الصفراء في ما يجودُ به سيّال البشر العصبي العاطفي العابر للألياف الضوئية. شبَّت الوقيعة والسلام، وأستطيع أخيرا أن أكتب في هذه المدونة بعد أن قطعت ما يكفي من الأشواط في التصالح مع العالم والعودة للكتابة بعدما جاءت اللحظة الصعبة لمواجهة الذات.
لم أتوقع يوماً ما أنني سأكتب شيئا إيجابيا، أو مليئا بالسلام، أو خاليا من الكراهية لأي إنسان يوماً ما حمل صفة العدو. أحتاجُ أن أصفي قلبي من الكراهية أكثر من رغبتي الفعلية في السلام، وإن حاول أحدهم إيذائي سأدافع عن نفسي. هذا هو الخلاص النهائي، وبقي لي مجموعة أحسم قراري بشأنها، وأستطيع أن أقول أنني اكتسبت بعض التوازن في حياتي الاجتماعية، ذلك التوازن الذي ذهبَ في مهب الرياح عندما تغير وضعي إلى لاجئ، ومعارض، وغيرها من التسميات التي لا أعرف من ينحتها!
الوضع العام اليوم، جنونٌ حقيقي، نتنياهو يبدأ دعاية ضد سماحة الشيخ مفتي سلطنة عمان. من أين وماذا ستكتب؟ وماذا ستقول؟ وماذا عساك أن تفهم من هذا الانجراف المفاجئ في الأحداث لكي تأتي اليوم صوب عمان. اعتدنا في عمان على سياسة الابتعاد عن جنون الجميع، العالم لديه وجهة نظر أخرى، وجنون الجميع بدأ يتجه صوب عمان. يدخل المرء في تسليمٍ صامت بالقضاء والقدر، ما أسوأ ما يحدث؟ انتقام اقتصادي؟ وقصف بعض المصالح؟ أم عمان ستتحول لتكون مثلما حدث لقطر، حصار من العقوبة في وجه من قال: لا! في وجه طغاة العالم.
لا أجزم أنني أعرف السياسة الخارجية العمانية، وكل ما أتكهن به نابعٌ عن تلك الثقة الغامضة غير المفسرة بتصرفات عمان الدبلوماسية. لسببٍ ما عمان حتى الآن واحة من واحات التعايش في منطقة أصبحت تردد كلمة كافر أكثر مما يردده اليمين الأمريكي المتطرف. الغرب هو وأساطيره، وفهمه الضحل للثقافة الدينية، وعدم قدرته على تفسير سلامة وسواء مليار مسلم وتركيزه المستمر على هذه المئات من الألوف التي من الأساس استهلكت لأنها تعادي شيئا ما غربيا، شيئا ما عاداها أيضا وأقحمها في ألاعيبه. صراع خصوم لا علاقة لدين، ولا لمنطقة، ولا لثقافة، ولا لدولة به، صراع بين مرتزقة المنظمات والخليط والمزيج بينها وبين اللاعبين خارج سيادة أراضيهم، الذين يعبثون لأن العالم يسمح بهذا الجنون.
للآن، لا أفهم كيف عشنا ذلك العصر الذي القذافي كان فيه حاكما رسميا معترفاً به. وأيضا لا أفهم الزمن الذي تحولت فيها ليبيا إلى دولة ممزقة متناحرة ومؤجلة. لا أفهم كيف حدث وتغير كل شيء، وكيف انتصرت طبائع الأشياء وأعادتنا إلى الفلسفة بدلا من التداول الآراء والأفكار التي كنا ننحت بها مستقبلا أفضل، وواقعا أجمل، وحاضرا أكثر إشراقا. عشناه والسلام، وكيف ستكتب عنه؟ وعن تلك الملاسنات؟ وكيف ستحكي قصتك بينما صدام يحاكم، كيف تشهد على كل ذلك وأنت في ضجيج عسرة الانتباه، وشتات العالم، وصراع الفعاليات، والمشهد المتناقض الذي يسمى العالم، يبدو لي أنني هذه المرة جئت هذه المدونة لأمكث.
أنهيت عملي، ولم يعد لدي سوى الكتابة. جلسة البرمجة صارت تشبه جلسات الكتابة، مزيد من العمل وطاقة الشرح والتأمل والتخيل. بجانبي تجري جلسة تصوير لمحتوى ثقافي، وأمامي شاشات وأجهزة المونتاج، وأمامي هذا الجهاز الجديد الماك ميني الذي انتقلت فيه من عالم النوافذ المايكروسفتي إلى هذا العالم الذي يؤمن بالجزية والضريبة والرسوم والمكوس. ليس أمامي الآن سوى أن أكتب، ويبدو أن ذلك الحصار الخانق حول مراكز الشتات يؤول إلى الانتصار. العودة إلى ضبط جلسة القارئ، وتوزيع الكلمات على فكرة، وإعطاء الفقرات نفسها الحقيقي، ومهارات أخرى بدأت تعود من الجلسة الأولى.
العلاقة مع الكتابة لا تخلو من كونها علاقة عضلية. أشبه برياضة تنس الطاولة التي تعود لها بعد شهور لتجد نفسك تملك مهارات وتتبعا عصبيا لا بأس به. كذلك هنا، في هذه المدونة التي قضيت آلاف الساعات من عمري أمام مرسمها. لا أعرف ماذا ستقول تلك الشاعرة الذهبية التي تدير حسابي في تويتر. هل ستجد المادة المنظمة التي أخيرا يمكن وضعها في كتاب، يمكن حذف هذه الفقرة على سبيل المثال ونكمل، هذه هي الفكرة الكبيرة من الكتابة مع مراعاة شمول عدد أكبر من القراء.
التعامل مع وجود القارئ إشكالية دائمة في الكتابة العمانية. ثمَّة اتفاق غريب أنَّ الذي يكتب عليه أن يعزل نفسه عن المحيط الكبير. يزعم أن هذه فضيلة، وبعد ونأي عن السابلة والدهماء والبسطاء. أميل إلى حيلة بسيطة أحيانا لكي أشعر بالفارق بين كتابة وكتابة. أغير لوحة المفاتيح، واحدة احترافية، صامتة، لا تزعج زملائي في الورشة، والثانية عالية، مليئة بالنقرات. كنت أكتب بتلك في تويتر، وهذه أكتب فيها في هذه المدونة. من المهم حقا؟ المهم هو القارئ، وهو ما يعطي للكتابة معنى. لماذا يزعم البعض أن الكتابة مع موت القارئ، وموت الكاتب، وغيرها من شؤون القطيعة، أمارس شيئا أبسط بكثير من ذلك التضخيم، وأرضى بتصنيفه في العالم، المهم هو القارئ، ومن المهم حقا في الكتابة غير قارئها؟
أنا حقا لا أفهم حياتي! ولا أعرف كيف صارت، ولا كيف كانت! هي شيء غامض قررت مع الوقت أن أتبع مجراه الزمني، وأهيم في الوقت حتى أكبر وأمرض وأموت وما يعلم ما يأتي أولا. أفهم فقط أنني رب أسرة، في شيء من الأربعين من العمر، أعمل في مجال التجارة، أعيش داخل السوق، واتخذت قراراتي تجاه العالم بناء على هذا الأساس. كنت أؤدي عملا عاما، كنت أؤدي دورا ما، كنت أقوم بشيء ما، ولأنني كنت مستمرا في القيام به لم يشعر أحد أنه ليس دوري، شعر الجميع أنني ملزم بهذا الدور حتى جاء ذلك اليوم الذي أغادر فيه تلك المنصات الرقمية لأعود إلى ما كان عليه الحال. التدوين، واليوتيوب.
يستخف بعض كبار النخب الثقافية بالدور الرقمي لأنه لا يقارع التاريخ والخلود. يعلن استخفافه بذلك وهو في برنامج بودكاست سيواصل ضخ أفكاره حتى وهو نائم، ويصنع له الحضور والقيمة الاجتماعية، أو ينزعها، وهو بعيد لا علاقة له بتلك المادة التي أرسلها للعالم، هناك من يجتزئ، وهناك من يعيد تدويرها لهدف آخر، وهناك من يقطع منها الميمات، أو اللزمات المضحكة القابلة لإعادة التفسير. إن كانت الكتابة شأن لغوي يلف ويدور حول نخبة ثقافية حسب مستوى التشفير الذي يلجأ له الفرد الكاتب الطالب للرأي، وأيضا في الوقت ذاته الطالب للعزلة. هنا منطقة مغايرة تماما، لها قوانينها المختلفة، ومتماسة جدا مع العالم لدرجة أن تسميتها بالمحلية قد يصبح تصرفا غير منطقي في جيلٍ قريب في الطريق. وجود ذراع رقمية لك لم يعد موضوع اختيار، لا يختلف عن عملك بالذكاء الصناعي وضرورة أن تتقنه رغما عن أنفك.
هذا ما استطعت كتابته، أكثر من كوني أردت كتابته. كيف سيمضي الوقت القادم؟ لا أعرف؟ أظن أن عوداتي إلى هذا المكان ستكثر، وأعتقد أنني جاهز لأترك هذا العالم إلى عزلةٍ طويلة لا أعرف متى ستنتهي. حياتي أصبحت واضحة، عملي أصبح واضحا، الخبز واضح، الحرية واضحة، الرأي واضح، والميدان واضح. لا يوجد وضع عشته من قبل في عمان له علاقة بالقدرة على الكلام أفضل من هذا الوقت، أرجو ألا يكون تمام الشيء بداية نقصانه. في قلبي تفاؤل بانطلاق مرحلة جديدة، ومخاوف أن العدو لهذه الانطلاقة سيأخذ وقتا لتجاوزه، في كل الأحوال، ما أجمل أن تكون غير صانع للأحداث، ولا مساهم فيها، تعيش حالك حال سبيلك وتحاول أن تفهم هذا العالم الذي حقاً أصيب بالجنون!
معاوية الرواحي
5 أكتوبر 2026