انبش هُنا

عشرون عاماً أيتها الشمعة!

 يستقيم كل شيء في مكانه الصحيح. شمعةٌ، وغرفةٌ مظلمةٌ قليلةُ الضوء.كل شيء في الظل ساكن، واللهب يرتفع إلى عنانِه القريب، ويرضى بما قُسمَ له من حركةٍ وسكون. عشرون عاماً وأنت تحدق في شمعةٍ ساكنة! لماذا أيها التمثال؟ 


لقد أيقظ الغزاةُ حساسيات الحرية، والحب. المدينة التي تحسب العاج خبزاً تصاب بجراثيم العدم بسهولة. نعم، الغزاة هم الذين فعلوا ذلك، وبعدهاً، وقبل رحيلِ الأفق عن السماء. علقت الأرض في غروب دائم، ومنها، لا الشمعة، ولا الحرية، ولا أي شيء! 


لهذه الرقعة البيضاء دماء تخفق في القلب. تحركه، وتعلمه الحياة قبل أن يفوت الأوان. الموتُ صديقٌ مؤقتٌ لأفكار زحمة الشارع. تقليب الفكرة خيارٌ آمنٌ أمام فوات الحياة. الباقي أقل من الذي حدث! هذا هو المنطق الملتوي للحتمية لكي تصل إلى لسانك وأيامك. يوما ما، ستكون ذاكرتك هي كل وجودك، ومن المخيف أن تصل لذلك اليوم وأنت لا تستطيع أن تكتب!












جلسة كتابة مخطط لها!

 يتقبل المرء أيامه كيف كانت، وكيف سيكون بحكم العادة في تقبل الذواء التدريجي، وفي الوقت نفسه، النظر إلى طاقتك مقارنةً بنسخةٍ أخرى عنك ربما في كونٍ موازٍ. هذه جلسة الكتابة الأولى في حياتي التي أزورها وقد خططت لها جيدا. أسبوع كامل من تجاهل تلك اللمعات المفاجئة في الذهن، وردات الفعل على حدث سريع، ولعبة النرد في الكوميديا السوداء، وكل لحظات التجلي التي تقود إلى فيديو، أو إلى لحظةٍ مؤقتةٍ تتلاشى عندما تحين اللحظة الحقيقية هذه، لحظة الكتابة!


لهذا السبب أحب التدوين. لأنك لست مؤطراً بألف إطار لكي تقضي وقتا في النحت والتصنيع، وربما التصنع! وتتجاهل وقت الحياة لكي تطارد وتلاحق صنعة الكتابة، لهذا السبب خلق الله المحررون. والآن، في عصر الذكاء الصناعي، أصبح ترتيب أرشيف الكتابة من حيث الموضوع ممكن، وركز عزيزي القارئ، أقول ترتيب الأرشيف، لا تعديله، لا لمسه، وإنما قطع كل القطع المتشابهة ووضعها بجانب بعضها البعض. نعم الكتابة موهبة، لكنها بالنسبة للبعض تتقاطع مباشرة مع طبائع أذهانهم، وطريقة عمل أدمغتهم. لهذا السبب جدال هل صاحب محل الخياطة يجب أن يكون خياطاً هذا سؤال لا حسم له. 


في الرأسمالية ما يجعل كثيراً من الأشياء خارج دائرة الحرج البشري الاعتيادي عندما يتعلق الأمر بمهاراتنا، أو بقدراتنا على التحليل وبالتالي التخطيط. عندما أجالس الكتاب والمثقفين، أجد لديهم ذلك الذعر من أداة برمجية بولغ في تضخيمها، وأرى ذلك الملف التجريبي الذي للآن يحمل هذا الاسم، والذي رتبت فيه مجلدات كاملة، وربما حلم نشرها في كتب جيدة متتابعة قد يكون قريبا. معركتي الآن مختلفة، معركتي مع الذاكرة، والشهادة على المرحلة. وهُنا كل ذلك الهراء المرئي لا يعني أي شيء، كل الذي له معنى وضعته في اليوتيوب، وعندما توضع هذه المنصات في مكانها الصحيح، هناك أستطيع أن أقول أن الميزان الدقيق قد حدث، وحاليا أعيش التجربة وأتمنى لها النجاح.


صنعت مكتباً جميلاً. أسميه (الورشة) لإضفاء روح المهارة في الصنعة على المكان. نجحَ في أن يجمع عدة احتياجات في وقت واحد، ورفع إنتاجية خمسة أشخاص منعزلين أربعة منهم أصبحوا يلتقون يوميا ما عدا الإجازات. التجربة التي علمتني التواضع والانسحاب على الرهان ضد الطبيعة البشرية. أنا مختلف، أنشغل لعشرين ساعة متتالية وأنا أفتقد أيام الشباب التي كنت أعمل أو أنشغل فيها بالأربعين ساعة متتالية. طاقة مزيجٌ من الطبيعي والصحي، بغض النظر عن أسبابها المختلف حولها، كانت طاقةً، عامةً، وعملا عن بعد، وتجربة أعطتني أخيرا البعد الناقص في حياتي. لم يكن النموذج معضلتي، معضلتي كانت التجارة!


التجارة معضلة! حقيقية عندما أنت نفسك لا تكون تاجراً، تقيس التسعير الخاص بك بناءً على كوكبك الخاص، فالقليل قد يكون كثيرا لديك، والكثير قد يكون قليلا لديك حسب الشخص والسياق. لعشاق التفكير الوجودي الزائد على الحد إليك هذه الكشوف البسيطة عن عالم التجارة.

- عالم التجارة عالمٌ موازٍ للناس، موازٍ للمجتمع، هو فعليا (السوق) الذي اتفقت البشرية على قضاء ساعات هائلة من العمر فيه، مع ذلك النموذج صامد آلاف السنوات! لماذا؟ ربما لن أعرف السبب. المؤكد أنني أعيش الآن هذه التجربة، عندما تنتصر كل هذه الثقافات مجتمعةً عليك وتتوقف عن العناد، وعن الإصرار على أن تكون الشخص أبو وضع مختلف!

- أنت تعمل في منطقة خارجية مكشوفة، ليست منطقتك، ليست ملكا لأحد، اسمه السوق، وهو ملك للجميع، وفي الوقت نفسه الجميع اقتصاد في اقتصاد واحد، الجميع متنافس على حوضٍ واحد، طبيعة بشرية الرهان عليها أيضا منطقي، لأنك في النهاية ستصنع عملاءك أو زبائنك حسب نوعية قرارك الكبير في الحياة. 

- تضع جهدك ووقتك ومهارك في مكانِك، مهما أنفقت من وقتٍ فيه فهو وقتٌ صالحٌ للحياة. 


صنعت نموذجا لا بأس به يجعل يوم العمل منوعاً. ابني الأكبر الملهم يزور المكان، يرى فيه كنزا من الأشياء التي يريد أن يكتشفها، يعيش مرحلته العمرية. ومع كل ثانية تمضي، أتراجع عن كل الخطط الطموحة الذهنية، والعقلية، والرياضية، والأحزمة السوداء، والجوائز، والمؤتمرات، وغيرها من شؤون الإنسان القلق الحديث، وآخذه للفلج ليسبح، ثم إلى المكتب لكي يغرق في كل الملهيات المتوفرة له خصيصا لكي تكون تجربة العمل عائلية، وطاقة المكان خاصة.


نحن لا نفعل الخير لأنه خير في حد ذاته. قليل من يصل إلى هذه القمم الشاهقة. نحن نفعله لأنه الصواب منطقيا، وبدون أدلةٍ دامغةٍ. لسبب ما اتفقت البشرية. وهذا ما جعل الخير في مرتبة الدين وتسمية الخالق في بعض الثقافات. لا منظومات أبرع من الدين والسياسة في نوايا الخير، قليلٌ جداً من يجعل الدين بانيا للإنسان، ومرمما لجروحه الروحية بسبب هذا الزمان المتناقض، واليوم الجمعة، ودائما الدخول في جوع موعظة فكرة حسنة!


لا أعرف من الذي خزن وصلة هذه المدونة. طريقة الكتابة هذه جديدة علي، تعويض أسبوع كامل في جلسة كتابة شيء جديد علي، انطلاقي في لوحة المفاتيح، شعوري أنني أتبع لحظة كتابة، كل هذا يدل على أنني صرت أكتب النثر بطريقة النثر! نعم أخيرا فهمت السر المعلق! حسنا، هذه التدوينة تستحق إغلاقا أنيقا بعد علامة التعجب! 






ما استطعت كتابته!

أعود هُنا هذه المرة بعدما شبَّت الوقيعة بيني وبين هذا الكوكب التعيس العجيب الغريب. ألوذ بمدونتي، وعزلتي، وصمتي، والكتابة عن كل شيء بتفصيل يمنع استخدامه ضمن تناثر أوراق القصاصات الصفراء في ما يجودُ به سيّال البشر العصبي العاطفي العابر للألياف الضوئية. شبَّت الوقيعة والسلام، وأستطيع أخيرا أن أكتب في هذه المدونة بعد أن قطعت ما يكفي من الأشواط في التصالح مع العالم والعودة للكتابة بعدما جاءت اللحظة الصعبة لمواجهة الذات.


لم أتوقع يوماً ما أنني سأكتب شيئا إيجابيا، أو مليئا بالسلام، أو خاليا من الكراهية لأي إنسان يوماً ما حمل صفة العدو. أحتاجُ أن أصفي قلبي من الكراهية أكثر من رغبتي الفعلية في السلام، وإن حاول أحدهم إيذائي سأدافع عن نفسي. هذا هو الخلاص النهائي، وبقي لي مجموعة أحسم قراري بشأنها، وأستطيع أن أقول أنني اكتسبت بعض التوازن في حياتي الاجتماعية، ذلك التوازن الذي ذهبَ في مهب الرياح عندما تغير وضعي إلى لاجئ، ومعارض، وغيرها من التسميات التي لا أعرف من ينحتها!


الوضع العام اليوم، جنونٌ حقيقي، نتنياهو يبدأ دعاية ضد سماحة الشيخ مفتي سلطنة عمان. من أين وماذا ستكتب؟ وماذا ستقول؟ وماذا عساك أن تفهم من هذا الانجراف المفاجئ في الأحداث لكي تأتي اليوم صوب عمان. اعتدنا في عمان على سياسة الابتعاد عن جنون الجميع، العالم لديه وجهة نظر أخرى، وجنون الجميع بدأ يتجه صوب عمان. يدخل المرء في تسليمٍ صامت بالقضاء والقدر، ما أسوأ ما يحدث؟ انتقام اقتصادي؟ وقصف بعض المصالح؟ أم عمان ستتحول لتكون مثلما حدث لقطر، حصار من العقوبة في وجه من قال: لا! في وجه طغاة العالم.


لا أجزم أنني أعرف السياسة الخارجية العمانية، وكل ما أتكهن به نابعٌ عن تلك الثقة الغامضة غير المفسرة بتصرفات عمان الدبلوماسية. لسببٍ ما عمان حتى الآن واحة من واحات التعايش في منطقة أصبحت تردد كلمة كافر أكثر مما يردده اليمين الأمريكي المتطرف. الغرب هو وأساطيره، وفهمه الضحل للثقافة الدينية، وعدم قدرته على تفسير سلامة وسواء مليار مسلم وتركيزه المستمر على هذه المئات من الألوف التي من الأساس استهلكت لأنها تعادي شيئا ما غربيا، شيئا ما عاداها أيضا وأقحمها في ألاعيبه. صراع خصوم لا علاقة لدين، ولا لمنطقة، ولا لثقافة، ولا لدولة به، صراع بين مرتزقة المنظمات والخليط والمزيج بينها وبين اللاعبين خارج سيادة أراضيهم، الذين يعبثون لأن العالم يسمح بهذا الجنون.


للآن، لا أفهم كيف عشنا ذلك العصر الذي القذافي كان فيه حاكما رسميا معترفاً به. وأيضا لا أفهم الزمن الذي تحولت فيها ليبيا إلى دولة ممزقة متناحرة ومؤجلة. لا أفهم كيف حدث وتغير كل شيء، وكيف انتصرت طبائع الأشياء وأعادتنا إلى الفلسفة بدلا من التداول الآراء والأفكار التي كنا ننحت بها مستقبلا أفضل، وواقعا أجمل، وحاضرا أكثر إشراقا. عشناه والسلام، وكيف ستكتب عنه؟ وعن تلك الملاسنات؟ وكيف ستحكي قصتك بينما صدام يحاكم، كيف تشهد على كل ذلك وأنت في ضجيج عسرة الانتباه، وشتات العالم، وصراع الفعاليات، والمشهد المتناقض الذي يسمى العالم، يبدو لي أنني هذه المرة جئت هذه المدونة لأمكث.


أنهيت عملي، ولم يعد لدي سوى الكتابة. جلسة البرمجة صارت تشبه جلسات الكتابة، مزيد من العمل وطاقة الشرح والتأمل والتخيل. بجانبي تجري جلسة تصوير لمحتوى ثقافي، وأمامي شاشات وأجهزة المونتاج، وأمامي هذا الجهاز الجديد الماك ميني الذي انتقلت فيه من عالم النوافذ المايكروسفتي إلى هذا العالم الذي يؤمن بالجزية والضريبة والرسوم والمكوس. ليس أمامي الآن سوى أن أكتب، ويبدو أن ذلك الحصار الخانق حول مراكز الشتات يؤول إلى الانتصار. العودة إلى ضبط جلسة القارئ، وتوزيع الكلمات على فكرة، وإعطاء الفقرات نفسها الحقيقي، ومهارات أخرى بدأت تعود من الجلسة الأولى.

العلاقة مع الكتابة لا تخلو من كونها علاقة عضلية. أشبه برياضة تنس الطاولة التي تعود لها بعد شهور لتجد نفسك تملك مهارات وتتبعا عصبيا لا بأس به. كذلك هنا، في هذه المدونة التي قضيت آلاف الساعات من عمري أمام مرسمها. لا أعرف ماذا ستقول تلك الشاعرة الذهبية التي تدير حسابي في تويتر. هل ستجد المادة المنظمة التي أخيرا يمكن وضعها في كتاب، يمكن حذف هذه الفقرة على سبيل المثال ونكمل، هذه هي الفكرة الكبيرة من الكتابة مع مراعاة شمول عدد أكبر من القراء.


التعامل مع وجود القارئ إشكالية دائمة في الكتابة العمانية. ثمَّة اتفاق غريب أنَّ الذي يكتب عليه أن يعزل نفسه عن المحيط الكبير. يزعم أن هذه فضيلة، وبعد ونأي عن السابلة والدهماء والبسطاء. أميل إلى حيلة بسيطة أحيانا لكي أشعر بالفارق بين كتابة وكتابة. أغير لوحة المفاتيح، واحدة احترافية، صامتة، لا تزعج زملائي في الورشة، والثانية عالية، مليئة بالنقرات. كنت أكتب بتلك في تويتر، وهذه أكتب فيها في هذه المدونة. من المهم حقا؟ المهم هو القارئ، وهو ما يعطي للكتابة معنى. لماذا يزعم البعض أن الكتابة مع موت القارئ، وموت الكاتب، وغيرها من شؤون القطيعة، أمارس شيئا أبسط بكثير من ذلك التضخيم، وأرضى بتصنيفه في العالم، المهم هو القارئ، ومن المهم حقا في الكتابة غير قارئها؟


أنا حقا لا أفهم حياتي! ولا أعرف كيف صارت، ولا كيف كانت! هي شيء غامض قررت مع الوقت أن أتبع مجراه الزمني، وأهيم في الوقت حتى أكبر وأمرض وأموت وما يعلم ما يأتي أولا. أفهم فقط أنني رب أسرة، في شيء من الأربعين من العمر، أعمل في مجال التجارة، أعيش داخل السوق، واتخذت قراراتي تجاه العالم بناء على هذا الأساس. كنت أؤدي عملا عاما، كنت أؤدي دورا ما، كنت أقوم بشيء ما، ولأنني كنت مستمرا في القيام به لم يشعر أحد أنه ليس دوري، شعر الجميع أنني ملزم بهذا الدور حتى جاء ذلك اليوم الذي أغادر فيه تلك المنصات الرقمية لأعود إلى ما كان عليه الحال. التدوين، واليوتيوب.



يستخف بعض كبار النخب الثقافية بالدور الرقمي لأنه لا يقارع التاريخ والخلود. يعلن استخفافه بذلك وهو في برنامج بودكاست سيواصل ضخ أفكاره حتى وهو نائم، ويصنع له الحضور والقيمة الاجتماعية، أو ينزعها، وهو بعيد لا علاقة له بتلك المادة التي أرسلها للعالم، هناك من يجتزئ، وهناك من يعيد تدويرها لهدف آخر، وهناك من يقطع منها الميمات، أو اللزمات المضحكة القابلة لإعادة التفسير. إن كانت الكتابة شأن لغوي يلف ويدور حول نخبة ثقافية حسب مستوى التشفير الذي يلجأ له الفرد الكاتب الطالب للرأي، وأيضا في الوقت ذاته الطالب للعزلة. هنا منطقة مغايرة تماما، لها قوانينها المختلفة، ومتماسة جدا مع العالم لدرجة أن تسميتها بالمحلية قد يصبح تصرفا غير منطقي في جيلٍ قريب في الطريق. وجود ذراع رقمية لك لم يعد موضوع اختيار، لا يختلف عن عملك بالذكاء الصناعي وضرورة أن تتقنه رغما عن أنفك.


هذا ما استطعت كتابته، أكثر من كوني أردت كتابته. كيف سيمضي الوقت القادم؟ لا أعرف؟ أظن أن عوداتي إلى هذا المكان ستكثر، وأعتقد أنني جاهز لأترك هذا العالم إلى عزلةٍ طويلة لا أعرف متى ستنتهي. حياتي أصبحت واضحة، عملي أصبح واضحا، الخبز واضح، الحرية واضحة، الرأي واضح، والميدان واضح. لا يوجد وضع عشته من قبل في عمان له علاقة بالقدرة على الكلام أفضل من هذا الوقت، أرجو ألا يكون تمام الشيء بداية نقصانه. في قلبي تفاؤل بانطلاق مرحلة جديدة، ومخاوف أن العدو لهذه الانطلاقة سيأخذ وقتا لتجاوزه، في كل الأحوال، ما أجمل أن تكون غير صانع للأحداث، ولا مساهم فيها، تعيش حالك حال سبيلك وتحاول أن تفهم هذا العالم الذي حقاً أصيب بالجنون!



معاوية الرواحي

5 أكتوبر 2026






















عنوان المرحلة: التفكير في ماهية القادم

  غارق في مرحلة ما بعد الواجب! أؤدي الحياة بشكل آلي وأنا أفكر في خيارات كثيرة سوف تشكّل المرحلة التي أقضيها من الآن حتى نهاية العمر.



متأكد بما لا يدع مجالا للشك أن وقت الكتابة قد حان. ألف وأدور في غرفة المكتب، ونداء الكتابة الرشيق السريع هنا يناديني، فأحجم عن كتابة تدوينة، وأذهب لكتابة مثل هذه المقالات في تويتر.

عاداتي السابقة في الكتابة بدأت تعود. سمعي بدأ يتحسن، وظاهرة الشارع أصبحت مجددا تزور جمجمتي ليلا، بكل قططها، وكلابها الضالة. وبدأت أتجنب العدد الكبير من الناس. كل تلك الأيام الطويلة من الهرس، والضغط، وتضاد الحياة مع نفسها، وتدهور نفسي أكثر من المتوسط لا أعرف كيف جاء وبدأ. في عمر العشرين والثلاثين كان كل الضغط يظهر في المشاعر والسلوك. الآن بدأ الجسد يدلي بدلوه في دفتر الضغوطات المعقد الذي يجمعنا مع أجسادنا المادية.

ثمة شيء في اللغة هنا في تويتر يجعلني أبقى. شيء أبسط، حقيقي. شيء به البشر، والناس. لهذا السبب محاولاتي انطفأت. كاتبٌ يقضي ساعات طويلة يكتب ويكتب! ووجد تويتر يسمح له بالمقالات، فعل إيلون ماسك حسنا بحياة كتاب كثر أصبح يمكنهم الموازنة بين الكتابة للوقت والكتابة للزمن.

شيء غريب لا يمكن وصفه! شعورٌ مفزع بأن كل شيء على وشك الانهيار، وأن المستطيل الذي أكتبه فيه سوف يرحل إلى العدم، اتصال يقطع حبل الأفكار، زر خطأ، وتذهب الصفحة كاملة، وترحل تدوينة وتضيع كما ضاعت مئات منها.

هذا التطبيق لطيف جدا، وبه أصدقاء أعزاء، مع ذلك، لا بد من الرحيل لبضع الوقت. حتى تألف أصابعي الكتابة هناك، فأعود هنا مشتاقاً لرفاق هذا المكان الاجتماعي العام والخاص في وقت واحد.

تطبيق رسائلنا الأولى، ونقاشاتنا في ما نغوص فيه منذ سنين. بتر جلسات الكتابة في تويتر من أصابعي قرار يجب أن أتمعن فيه بحذر بالغ، وأن أخطط له جيدا.

حسنا، بدأت أصابع الأدب الصدئة تدبُّ في هيكل اللغة. هناك أمل طفيف!

مكتنز بالذاكرة/محروم من الكتابة!


إن كنت سأحاول إيجاد بديل لجملة "أموت على فراشي كما يموت الجمل" فهذه الجملة هي أفضل وصف أطلقه على الكاتب الذي يُحرم من الكتابة. يبتر منها نهائيا بعقوبات قدرية، واجتماعية، وسلوكية، شديدة التأثير والتدمير.

تحار ذاكرتي في إحصاء الموضوعات الإبداعية، والأدبية. وألتفت للحياة لأجد اللعنة هي نفسها لم تتزحزح. لعنة الوقت! التي تكتسب معناها في كل عام بعد الأربعين. 


الذي قرأ لي في رحلة العشرين سنةٍ هذه يفهم جيدا الذي أقوله. تلك الإطلالة الاجتماعية السريعة التي أقوم بها لا تعكس مطلقاً كائنا اجتماعيا، أو كائنا يريد أن يكون اجتماعياً، من قال أنني أريد ذلك؟ لست هذا الإنسان مطلقا. الأماكن العامة تسبب لي فقدان تركيز يتحول إلى قلق ومحاولة للنجاة من المكان. كثير من الناس لا يفهمون سبب سلوكي الذي يبدو غريبا. أجدُ نفسي في عقوبةٍ قدريةٍ لا تخلو من الظرافة، حياة بلا عزلة، ومليئة بالناس! ومع من، مع إنسان ضجيج مقهى مزدحم يجعله يهرب للمنزل! كانت سنوات حقيقية من الصبر. 


دائما أسأل نفسي؟ متى أتخذ القرار النهائي بالتفرغ للكتابة؟ العمر يمضي، وأنا في الثالثة والأربعين. تجارب كثيرة، أصبحت مطمئنا إلى أنني سأكتبها بكل ما أستطيع قوله، أما ما لا أستطيع، فلن أكتبه، فلا شهادة في عدو، ولا تشكيك في صديق، ولا سرد لما لا يقال، فقط زاوية أود أن أتركها شاهداً على مراحلٍ كل إنسان يوثقها من زاويته الخاصة به.


أن ترتبط السوشال ميديا بلقمة عيشك! أي وعدٍ من الضجيج والاختطاف التام سوف تعيشه. استسلمت لمصيري مبدئيا عندما رجعت لعمان، ووجدت أن النموذج الوحيد للناس الرقميين هو منصات النشر المؤقت، ذوات التايملاين. والرهان على نموذج اليوتيوب سيأخذ معجزات لإقناع البشر به مع قوة تأثيره. ومرت السنوات، وأعيش ذلك الدور الذي لا يتوقف، يا سلام، دور (مشهور!) يا ساتر قوة البتر السريع لأي شخص يراني من هذه الزاوية. عندما تلقنك الحياة دروسا متتالية. 


أظن أنني استسلمت أنه لا عزلة تلوح في الأفق مباشرة بعدما قررت أن أدرس أربع سنوات. بعلم النفس، وبعلم الأنفس، وبعلم النفائس، وبعلم الذي له علم، مرت التجربة بكل ما كانت تزاحمه الدراسة، وتلتهمه من الفرص، ومن فرص الكسب والإعلانات والعقود، إلى أصلا منطقة الخطر، وسلامة المنصات وعملها. تخرجت من هنا لأسئلة الحياة التي أيضا لا تقبل العزلة.


لا أعرف متى وجدت نفسي جاهزا لتغيير مكان الكتابة، والبدء من أول وجديد، وإطلاق هذا الدفتر الذي لا أعرف إلى أين سيذهب. سألقي بكل ما في ذهني، وسأثق لاحقا بعملية تحرير وجمع وتشذيب سيقوم بها شخص أكثر خبرة مني في هذا المجال. مهمتي هي ملاحقة أفكاري بسرعة معقولة والباقي هناك الخباز الذي يفهم الخبز جيدا. 


حقا أخاف أن أموت ولم أكتب عن الكثير من التجارب. درست علم النفس فقط لكي أفهم ذاكرتي، لكي أعرف ما الذي أستخرجه منها، وما الذي يمكن قوله وما لا يمكن قوله. تبدو شهادة على مرحلةٍ كان يجب في يوم من الأيام أن أكتبها، وكيف تكتب شيئا لم تفهمه؟ هذا إن فهمت نفسك من الاساس؟


حياتي ليست جميلة، وأغالب شياطين الخارج والداخل وأتماسك فقط بالعزلة الصحية هذه. أكتبُ، أركزُ، بعيد عن أخبار العالم تماما، وعندما تحدث المصائب الكبرى آخر نبذة عن هذا الكوكب التعيس من الأصدقاء. عمل، وعزلة صحية، وتوازن لا بأس به قدر الإمكان أحاول الحفاظ عليه. العزلة هي الشيء الوحيد الذي ضمن لي سلامتي، وهي الشيء الأول الذي أريد أن أضمن سلامته في حياتي القادمة. 


أمام مشروع شاسع للغاية من الكتابة، صعب بمعنى الكلمة. أحتاج للتفكير فيه عشرات المرات وأقلبه من كافة الزوايا، وأبني آلية جلسات التسجيل هذه بمنهج مع محرر يفهم عمله، سيقرأ المحرر هذا الكلام، وسوف نتفق مع الوقت كيف أضخ طاقة الكتابة هذه في كولاج متجانس وواضح من الفقرات. عاد هذا شغل المحرر وليقم بما عليه القيام به.


لا أعرف من أين أبدأ! تجربة السجن، الهجرة، اللجوء، التجربة الثقافية، التجربة السياسية (بحذر بالغ وبما يمكن أن يقال فقط) وكل تلك النقاط على الحروف التي تركتها حتى تطمئن نفسي أنني سأتقصى حقاً ما ينصف المنطق أولا وأخيرا، أما الحقيقة فليست بيد أحد، أقصى ما أستطيع فعله هو ألا أتبنى سردية أو أنفي أخرى، كل ما يمكن أن ينطبق على الواقع من كل زواياه سأسميه بهذا الاسم (سردية قيلت)، وما أكثر قصص السرديات في حياتي، وما أصعبها أيضا!


هذه المرة، هذه المدونة، وهذا الدفتر، لدي شعور بحسن الظن به أنه لن يذهب بي للسجن، ولدي شعور جيد بالطمأنينة تجاه نفسي أنني لن أستخدم المدونة كأداة تدمير للذات، أو ما هو أسوأ، كأداة تدمير للآخرين. هذه حواجز هائلة موضوعة في وجهي لأنني معاوية زاتو. ماذا عساه أن ينفجر في وجهي من ردة فعل لو فقط فكرت أن أكرر خطأ من أخطائي. هذه المرة، بلا كراهية، بلا تحيز، وأيضا بكل منطقية، لهذا السبب، المجهول يوصف بالمجهول، والمعلوم الذي لا يقال يوصف بالمعلوم الذي لا يقال، والمعلوم المشاع يوصف بصفته، بهذه الطريقة أرتب أفكاري مسبقاً، وهكذا أخوض تجربة الكتابة هنا بوضوح أكثر.


تجربة التدوين، والوسط الثقافي، والمصحات النفسية، والخصومات العلنية، والهجرة، والسجن خارج عمان، والانفرادي أكثر من مئة يوم. يا إلهي! مئات ومئات من الصفحات أمامي، وليست لدي أدنى فكرة عن الطريقة التي سأرتب بها كل هذه الكثبان الرملية والطينية والصخرية من الذاكرة. تبدو هذه خطوة أولى، أنني بدأت اضع ملامح الخطة الأولى. هذه الميزة في ملل العزلة، تجعلك تضيف مهام إلى نفسك لأن الوقت إن لم تقتله قتلك. 


معضلة الذي يعيش حياة كثيرة التجارب تتجلى في الطريقة التي تحفظ بها هذه التجارب. لماذا يهمنا أن نوثق ما عشناه، لا أعرف بصراحة، وجدنا الذين يكتبون يفعلون ذلك وإنا على آثارهم لمقتدون! هذا الدفتر لدي شعور جيد تجاهه، والقارئ موجود ليرصد أي شكل من أشكال التحيز والتجيير للحقائق، لأنني لو وقعت في هذا الفخ، فشلت هذه المدونة تماما، وأصبح علي أن أفتح دفترا جديدا. 


أقترب من هذا الدفتر حذرا، أحاول فهم ما سيبقى شاهدا عليَّ، وشهادتي على كل شيء. لن تكون مهمة سهلة، وستكون أمانة جسيمة، ومسؤولية كبيرة لو اختلط الخيال بالواقع، أو ببساطة قمت بالكذب بسوء نية، أو ضببت حقيقة بشكل محتال، سأكتب بطريقة الحق ما شهدت به الأعداء. وما لا أستطيع كتابته، لا بأس ببعض النسيان، لماذا تكتب أصلا ما تريد نسيانه؟


كانت الدراسة هي آخر رهانٍ بيني وبين الكوكب الخارجي للناس. كوكبي الحقيقي، حياة صغيرة جدا، بها العمل، وقليل من الأصدقاء، والباقي لا علاقة لأحد به وبما يحدث فيه. هذا هو الهيكل الاجتماعي الذي رسوت عليه، وهذه التضحيات التي تأتي معه لا بأس بها. أكتب لأن هذا نداء وجودي، والآن أعرف السبب الذي يجعلني أكتب. 


يا سلام لو كانت طاقة الشباب تلك، وعشرات الصفحات المتتالية في وقت وجيز، وسرعة الاستعادة، والحضور. الآن، أضع اشتراطات على الأقل أن تصل التدوينة لألف كلمة على الأقل. العقل يذهب تلقائيا لتكثيف كل شيء، والعمر يفرض عليك أن تكتب ما تستطيع كتابته، حتى لو كان غير مرتب، المعلومة والذاكرة هي التي تهم.


كسرٌ آخر لوتيرة الكتابة تلك، التي كانت في غير موقعها، وبداية لا بأس بها. شاحبة، وخجولة، وأصابع تحتاج لانتزاع معرفتها بالنسج مجددا.


لدي كثير لأكتب عنه، أصدقائي الذين توفاهم الله. العداوات التي انتهت بالسلام، الاعتذارات التي أؤجل بعضها سنوات وسنوات. التوضيحات التي ضمن عقدي الاجتماعي ذات الوجوب في توضيحها. سنوات وسنوات من التجارب والأشخاص، ما الذي سينجو منها؟ وما الذي سأستطيع كتابته. في كل الأحوال، أنا في نقطة انطلاق جيدة، دعني أفتح الباب لصفحة جديدة. أراكم في التدوينة القادمة.



آخر البدايات!

 للمرة الأولى في حياتي أستطيع أن أؤكد لنفسي أنني أعرف ما الذي أريده. سواءً ما أريده من الحياة، أو ما أريده من هذه المدونة من الحبر الرقمي.


 عبر ما يقارب العشرين سنة شغلت بعض المدونات التي قمت بالنشر فيها الناس، ثم انطفأت وابتعدت عنهم، ثم عادت إليهم، ثم انطفأت. العامل المشترك الوحيد في كل هذه الدفاتر هو القارئ، ذلك الذي عبر السنوات، وسواء كنت في تويتر، أو كنتُ هنا، ذلك الصديق الخفي، يعرف متى يتدخل، ومتى يكتب تعليقه، ومتى يهدي تلك الهدية التي تثبت إغلاق دائرة النص، ووصوله للقارئ، وعودة الحمولة من ذهن القارئ بتعليق إن صدر من القارئ القديم، فهنا الرهان على من يعرفك بعمق، وفي معظم الحالات، النصيحة ستكون في محلها، أما الغرباء الجدد، فهذا وضعٌ آخر سوف نتحدث فيه بعدما نحسم شؤون الأصدقاء القلة الذين سيقرأون هذا الدفتر.


أمامي الكثير من العمل الشاق حتى أتأقلم على الكتابة خارج مربع النص في تطبيق تويتر، الذي أصبح اسمه (أكس) زورا، وظلما، وبهتانا، وابتداعاً. عندما يتعلق الأمر بالوقت، ثمَّة تغيير جذري يمسُّ شيئا مهما من ذاكرتك. وهذا (التويتر) يرصع الذاكرة بالكثير من الأحلام، وأيام السعي للتعبير عن الرأي، وكل ما بدأ من هذه الدفاتر، لينتهي لاحقا إلى تجربة أشعر أنني جاهز لكتابتها. أتمنى أن أفلح في الصدق، وأن أعطي الذاكرة حقها، وأن أملأ الفجوات التي تركتها متناثرة عبر مسيرة حياتية حافلة بالعجائب والغرائب، من الخصومات، والعداوات، والسجن، إلى ذاكرة الطفولة، وذاكرة الدراسة، وربما القليل من علم النفس. 


أنشأت هذه المدونة بسبب كبير بسبب شخص لا أعرفه في الواقع. اسمه هاشم الجحدلي، يكتب في تويتر منذ سنوات، وأتابعه يوميا لسبب لا أعرفه. لا أعرف ماذا دهاه يوماً ما ليتصل بي ويضرب في وترٍ عميق بي، لقب (المهذون) الذي قصفته الظروف من يدي. الذي كان يقرأ هذا الدفتر الرقمي سيعرف القصة. يتصل بي، وبصدقٍ يخترق القلب يقول لي: دع عنك هذا اللقب!


حسنا، ما دام ينوي أن يلهمني، دعه أيضا يحتمل المطولات الكتابية التي سوف تسكب في هذا الدفتر الأخير، على أمل أن كل ما فعلته من قبل قد نجح في السيطرة على جموح الخيال، وهمزات النفس، وانتصار الحقد على الحقيقة بانتصار الحقيقة على الكراهية. 


لدي شعور لا بأس به أنني هذه المرة سأعرف ما الذي أريده من الكتابة. لم يعد الأمر تمرينا، ولا تدريبا لمقاومة آثار تقدم العمر. لم تعد المدونة معبداً أقف في فنائه مضحيا بكل شيء فقط من أجل حلمٍ عميقٍ في القلب اسمه: التدوين! وسأراهن رهانات كثيرة جدا في هذه المدونة، رهانات أتركها للعمر، وأيضا كإرثٍ لا أعرف سينفع من. أسأل الله أن يكون نافعاً، وأن يصوّب بعض الحقائق، وأن يعيد بعض الحقوق إن تيسر ذلك، وأن يصلح بعض الذي في زمانٍ سابقٍ قُلتُه ولم يكن صادقا. ثمة ردود كثيرة، وبيانات، وتوضيحات، وأحداث أجد أن وضعها في مكانٍ واحدٍ، مكتوبة بأقصى درجات الموضوعية، بفهمٍ للذاكرة، وبنية حقيقية على عدم إقحام هذا الدفتر في صراعات الآن واللحظة، قديمة كانت أم حديثة. 


أنوي أن أكتب، وأمامي عدة أيام صعبة بعض الشيء، أمر بمرحلة صناعة عادات جديدة، والتخلي عن عادات سابقة، وتغيرت بعض رهاناتي الفكرية تغيرا جذريا، لن أكتب عن هذا داعياً أو داعيةً، قانوني في الحياة هو ألا أفرض معتقدي على أحد، وبالتالي أتمنى أن يفهم الآخر أنني لا أقبل أن يفرض ما يعتقده علي. 


بناء نظام مع القارئ، وبناء نظام مع المحرر. واجباتٌ تستجد، وإضافات أخرى متاحة فقط في عالم النشر البرزخي هذا، الرقمي، غير الورقي، ومع ذلك الأكثر صمودا أمام كوكب (التايملاين) الذي لم تعد صحتي تحتمل المكوث فيه وحوله. 

عائد للتو من ما يقارب الأربعين يوماً من الانقطاع التام عن الهاتف والإنترنت ولوحة المفاتيح، انقطاع لم يحدث من قبل طوعياً. لست مستعدا للكتابة، وأمامي عدة أيام حتى يصفو ذهني ويتجه إلى حيث أردت دائما، إلى منطقةٍ أقصى ما يزلزله هي القهوة فقط، لا سجائر، ولا متلفات أخرى قدر الإمكان. 

سأحاول دمج كتابة المقالات مع النشر في جريدة الرؤية، ويجب أن أتخذ قرارا واضحا تجاه مدونة دون حبر. عودة كاتبٍ إلى صومعته، وراهب إلى معتزله، وإنسانٍ قضى وقتاً طويلا يعيش دوراً لا يطاقُ ولا يناسب تكوينه، وطبيعته الميّالة للعزلة. 


حسنا، هذه التدوينة ستكون ضمن (آيات) الدفتر، وهي التدوينات التي أكتب فيها عن الكتابة، وعن المنصة التي أنشر فيها، وتعاملي مع مختلف حالات الكتابة، ولكل كتابة جودة خاصة بها، وهناك ما سيتراكم ويتحول لكتاب، وهناك ما يبقى سرداً رقميا، اجتماعيا، تواصليا، مع القارئ القديم أولا، ومع القارئ الجديد إن كان هناك من بقي يقرأ المدونات أصلا!


هذه المرة، لا حراكات تدوين، لا راية عامة تخرجني من حالة الفرد، لا منصة استفزاز، لا منصة هجوم، لا أداة، ولا حتى لعبة ضوء. بشروط اللغة، والكلمات، وبقانون الأفكار، سيصنع الحبر طريقه الخاص، وما يصل للأذهان يغلق الدائرة، وقد يعيد نفثة صغيرة من عقل بعيد تصوب سياقا منكسرا، أو تحيي سياقا مهجورا، أو تشير إلى خطأ، مجرد خطأ غير منطقي، هذا ما كانت تفعله هذه الدفاتر بي في عمر النشأة والتكوين، ومن هنا اكتسبت معارف كثيرة كان أهمها ذلك التواصل الباقي أمام نص متكامل لن يرحل بعد قليل إلى (خط زمني) سريع يختلط فيه فيديو شخص يحاول تقليد جحش جبلي، إلى بيان لترامب، إلى تغريدة مثيرة للجدل لشخص عكس الناس. هنا يختلف الوضع تماما.


في الثالثة والأربعين، أبدأ الكتابة، للمرة الأخيرة كما آمل، وفي الدفتر الأخير، لدي اطمئنان لا بأس به أن هذا الدفتر سيكون الأخير، وأنني فعلت ما بوسعي لكي أحل على عزلة الكتابة جاهزا، درست التخصص الذي يساعدني على فهم ذاكرتي، وأمامي حالات استعادة وتأمل وترتيب أوراق، وإعادة النظر في مسارات كثيرة. وأين ستأخذني رحلة الكتابة؟ لا أعرف إلى أين، ربما رواية، أو مجموعة كتب محررة بيد ناشر ضليع، أو ربما يجمعها هاوٍ ويحولها لكتاب، أو ربما أجمعها في كتاب، سيكون تحديا حقيقيا أن تكتب بنفس مادة تنشر في كتابة، وأن تكتب الكتاب نفسه. 


أشعر ببعض الحيرة، لا أعرف حتى الآن ماذا يفعل التدوين في زماننا الجديد هذا. هذه المدونة هي محاولة للصدق. محاولة ليشهد العدو قبل الصديق أن الذي كتب كان منصفا، للعدو، وللخصم، وللصديق، والأهم، للحقيقة، سأخطئ قطعا، وسأصلح الخطأ قدر طاقتي، أريد دفتراً واحداً أن يجمع كل ما حدث، وربما هذا هو الدفتر المنشود. عادة الكتابة في تويتر عادة لن يكون من السهل أن أتركها، ولا التفاعل مع الذين تعودت منهم استفزاز الكتابة في أعصاب البشر. ثمة نداء واضح أتبعه هذه المرة، لم يعد الأمر طنينا ألعب معه الشطرنج، أو غضبا مكبوتاً أطلقه حذرا ويفلت في زلات اللسان، هذه المرة أنا لا أعرف أين ستذهب بي الكتابة، الذي أنا متأكد منه هو أنني ذاهب للكتابة، إلى أين؟ لا أعرف، فقط أقول: إلى ما يجعل الحقيقة في نصابها. كل إنسان يشعر في قلبه أنه يبدأ شيئا ما، للمرة الأخيرة، وحتى نهاية العمر، وأرجو أن تفلح هذه المدونة في الإجابة على أسئلة كثيرة تركتها متناثرة متعمدا حتى يحين العمر الآمن الذي أجيب فيه على كل شيء. ما لا أستطيع قوله لن أكتبه، ولن أشوهه، وما أستطيع أن أكتبه سأسعى إلى سرد الحتمي منه فقط، ما يكفل للحقيقة إنصاف نفسها، ربما أنجح، ربما أفشل، لدي شعور في قلبي أنني حقا أريد هذا الدفتر أن يكون الأخير، وعسى أن أنجح في ذلك!



صدق بلا جلد ذات، سردٌ بلا هتك خصوصيات، سيرة بلا تبريرات، وآراء تقبل وصفها بالخاطئة، وحكمٌ لا يزعم صاحبها أنه خبير يُسأل، عسى أن تكون حكمةً تنفع، أو ذكرى لمؤمنٍ، أو خط عودة لمشكك. حسنا، يتضح لي كيف ستكون آيات هذا الدفتر، كنت بحاجة حقا للكتابة لكي أفهم ما الذي أنوي عليه في دفترٍ جديد أسميه الدفتر الأخير، أنوي أن أكتب وصيتي، وذاكرتي، وسيرتي، وأحلامي، وأيامي، وقصصي. لم يمض العمر في ثوانٍ لكي أكتبه في مختصرات تأخذ دقائق، القارئ الثقيل يبحث عن نصٍ جديدة يفترسه، والقارئ الذي لا يقرا ماذا بيدي أن أفعل به؟ لا شيء، أنا في الأربعين بما يكفي لكي لا أجد أي دافع لتشجيع أحد على فعل أي شيء!


سأحاول أن أرتب عقلي، وطريقة الكتابة، ومنصتها، ولوحة مفاتيحها، ووقتها، وظروفها، والأهم: أن أكتب فقط عندما يكون نداء الكتابة ملحا. وعندما يخفت هذا النداء سأفعل ما سأفعله بعد قليل، أنهي هذه التدوينة، ونلتقي في تدوينة أخرى كما آمل.


معاوية الرواحي

20/8/2026


عزمت باسم الله

 مرحباً يا أصدقاء!