إن كنت سأحاول إيجاد بديل لجملة "أموت على فراشي كما يموت الجمل" فهذه الجملة هي أفضل وصف أطلقه على الكاتب الذي يُحرم من الكتابة. يبتر منها نهائيا بعقوبات قدرية، واجتماعية، وسلوكية، شديدة التأثير والتدمير.
تحار ذاكرتي في إحصاء الموضوعات الإبداعية، والأدبية. وألتفت للحياة لأجد اللعنة هي نفسها لم تتزحزح. لعنة الوقت! التي تكتسب معناها في كل عام بعد الأربعين.
الذي قرأ لي في رحلة العشرين سنةٍ هذه يفهم جيدا الذي أقوله. تلك الإطلالة الاجتماعية السريعة التي أقوم بها لا تعكس مطلقاً كائنا اجتماعيا، أو كائنا يريد أن يكون اجتماعياً، من قال أنني أريد ذلك؟ لست هذا الإنسان مطلقا. الأماكن العامة تسبب لي فقدان تركيز يتحول إلى قلق ومحاولة للنجاة من المكان. كثير من الناس لا يفهمون سبب سلوكي الذي يبدو غريبا. أجدُ نفسي في عقوبةٍ قدريةٍ لا تخلو من الظرافة، حياة بلا عزلة، ومليئة بالناس! ومع من، مع إنسان ضجيج مقهى مزدحم يجعله يهرب للمنزل! كانت سنوات حقيقية من الصبر.
دائما أسأل نفسي؟ متى أتخذ القرار النهائي بالتفرغ للكتابة؟ العمر يمضي، وأنا في الثالثة والأربعين. تجارب كثيرة، أصبحت مطمئنا إلى أنني سأكتبها بكل ما أستطيع قوله، أما ما لا أستطيع، فلن أكتبه، فلا شهادة في عدو، ولا تشكيك في صديق، ولا سرد لما لا يقال، فقط زاوية أود أن أتركها شاهداً على مراحلٍ كل إنسان يوثقها من زاويته الخاصة به.
أن ترتبط السوشال ميديا بلقمة عيشك! أي وعدٍ من الضجيج والاختطاف التام سوف تعيشه. استسلمت لمصيري مبدئيا عندما رجعت لعمان، ووجدت أن النموذج الوحيد للناس الرقميين هو منصات النشر المؤقت، ذوات التايملاين. والرهان على نموذج اليوتيوب سيأخذ معجزات لإقناع البشر به مع قوة تأثيره. ومرت السنوات، وأعيش ذلك الدور الذي لا يتوقف، يا سلام، دور (مشهور!) يا ساتر قوة البتر السريع لأي شخص يراني من هذه الزاوية. عندما تلقنك الحياة دروسا متتالية.
أظن أنني استسلمت أنه لا عزلة تلوح في الأفق مباشرة بعدما قررت أن أدرس أربع سنوات. بعلم النفس، وبعلم الأنفس، وبعلم النفائس، وبعلم الذي له علم، مرت التجربة بكل ما كانت تزاحمه الدراسة، وتلتهمه من الفرص، ومن فرص الكسب والإعلانات والعقود، إلى أصلا منطقة الخطر، وسلامة المنصات وعملها. تخرجت من هنا لأسئلة الحياة التي أيضا لا تقبل العزلة.
لا أعرف متى وجدت نفسي جاهزا لتغيير مكان الكتابة، والبدء من أول وجديد، وإطلاق هذا الدفتر الذي لا أعرف إلى أين سيذهب. سألقي بكل ما في ذهني، وسأثق لاحقا بعملية تحرير وجمع وتشذيب سيقوم بها شخص أكثر خبرة مني في هذا المجال. مهمتي هي ملاحقة أفكاري بسرعة معقولة والباقي هناك الخباز الذي يفهم الخبز جيدا.
حقا أخاف أن أموت ولم أكتب عن الكثير من التجارب. درست علم النفس فقط لكي أفهم ذاكرتي، لكي أعرف ما الذي أستخرجه منها، وما الذي يمكن قوله وما لا يمكن قوله. تبدو شهادة على مرحلةٍ كان يجب في يوم من الأيام أن أكتبها، وكيف تكتب شيئا لم تفهمه؟ هذا إن فهمت نفسك من الاساس؟
حياتي ليست جميلة، وأغالب شياطين الخارج والداخل وأتماسك فقط بالعزلة الصحية هذه. أكتبُ، أركزُ، بعيد عن أخبار العالم تماما، وعندما تحدث المصائب الكبرى آخر نبذة عن هذا الكوكب التعيس من الأصدقاء. عمل، وعزلة صحية، وتوازن لا بأس به قدر الإمكان أحاول الحفاظ عليه. العزلة هي الشيء الوحيد الذي ضمن لي سلامتي، وهي الشيء الأول الذي أريد أن أضمن سلامته في حياتي القادمة.
أمام مشروع شاسع للغاية من الكتابة، صعب بمعنى الكلمة. أحتاج للتفكير فيه عشرات المرات وأقلبه من كافة الزوايا، وأبني آلية جلسات التسجيل هذه بمنهج مع محرر يفهم عمله، سيقرأ المحرر هذا الكلام، وسوف نتفق مع الوقت كيف أضخ طاقة الكتابة هذه في كولاج متجانس وواضح من الفقرات. عاد هذا شغل المحرر وليقم بما عليه القيام به.
لا أعرف من أين أبدأ! تجربة السجن، الهجرة، اللجوء، التجربة الثقافية، التجربة السياسية (بحذر بالغ وبما يمكن أن يقال فقط) وكل تلك النقاط على الحروف التي تركتها حتى تطمئن نفسي أنني سأتقصى حقاً ما ينصف المنطق أولا وأخيرا، أما الحقيقة فليست بيد أحد، أقصى ما أستطيع فعله هو ألا أتبنى سردية أو أنفي أخرى، كل ما يمكن أن ينطبق على الواقع من كل زواياه سأسميه بهذا الاسم (سردية قيلت)، وما أكثر قصص السرديات في حياتي، وما أصعبها أيضا!
هذه المرة، هذه المدونة، وهذا الدفتر، لدي شعور بحسن الظن به أنه لن يذهب بي للسجن، ولدي شعور جيد بالطمأنينة تجاه نفسي أنني لن أستخدم المدونة كأداة تدمير للذات، أو ما هو أسوأ، كأداة تدمير للآخرين. هذه حواجز هائلة موضوعة في وجهي لأنني معاوية زاتو. ماذا عساه أن ينفجر في وجهي من ردة فعل لو فقط فكرت أن أكرر خطأ من أخطائي. هذه المرة، بلا كراهية، بلا تحيز، وأيضا بكل منطقية، لهذا السبب، المجهول يوصف بالمجهول، والمعلوم الذي لا يقال يوصف بالمعلوم الذي لا يقال، والمعلوم المشاع يوصف بصفته، بهذه الطريقة أرتب أفكاري مسبقاً، وهكذا أخوض تجربة الكتابة هنا بوضوح أكثر.
تجربة التدوين، والوسط الثقافي، والمصحات النفسية، والخصومات العلنية، والهجرة، والسجن خارج عمان، والانفرادي أكثر من مئة يوم. يا إلهي! مئات ومئات من الصفحات أمامي، وليست لدي أدنى فكرة عن الطريقة التي سأرتب بها كل هذه الكثبان الرملية والطينية والصخرية من الذاكرة. تبدو هذه خطوة أولى، أنني بدأت اضع ملامح الخطة الأولى. هذه الميزة في ملل العزلة، تجعلك تضيف مهام إلى نفسك لأن الوقت إن لم تقتله قتلك.
معضلة الذي يعيش حياة كثيرة التجارب تتجلى في الطريقة التي تحفظ بها هذه التجارب. لماذا يهمنا أن نوثق ما عشناه، لا أعرف بصراحة، وجدنا الذين يكتبون يفعلون ذلك وإنا على آثارهم لمقتدون! هذا الدفتر لدي شعور جيد تجاهه، والقارئ موجود ليرصد أي شكل من أشكال التحيز والتجيير للحقائق، لأنني لو وقعت في هذا الفخ، فشلت هذه المدونة تماما، وأصبح علي أن أفتح دفترا جديدا.
أقترب من هذا الدفتر حذرا، أحاول فهم ما سيبقى شاهدا عليَّ، وشهادتي على كل شيء. لن تكون مهمة سهلة، وستكون أمانة جسيمة، ومسؤولية كبيرة لو اختلط الخيال بالواقع، أو ببساطة قمت بالكذب بسوء نية، أو ضببت حقيقة بشكل محتال، سأكتب بطريقة الحق ما شهدت به الأعداء. وما لا أستطيع كتابته، لا بأس ببعض النسيان، لماذا تكتب أصلا ما تريد نسيانه؟
كانت الدراسة هي آخر رهانٍ بيني وبين الكوكب الخارجي للناس. كوكبي الحقيقي، حياة صغيرة جدا، بها العمل، وقليل من الأصدقاء، والباقي لا علاقة لأحد به وبما يحدث فيه. هذا هو الهيكل الاجتماعي الذي رسوت عليه، وهذه التضحيات التي تأتي معه لا بأس بها. أكتب لأن هذا نداء وجودي، والآن أعرف السبب الذي يجعلني أكتب.
يا سلام لو كانت طاقة الشباب تلك، وعشرات الصفحات المتتالية في وقت وجيز، وسرعة الاستعادة، والحضور. الآن، أضع اشتراطات على الأقل أن تصل التدوينة لألف كلمة على الأقل. العقل يذهب تلقائيا لتكثيف كل شيء، والعمر يفرض عليك أن تكتب ما تستطيع كتابته، حتى لو كان غير مرتب، المعلومة والذاكرة هي التي تهم.
كسرٌ آخر لوتيرة الكتابة تلك، التي كانت في غير موقعها، وبداية لا بأس بها. شاحبة، وخجولة، وأصابع تحتاج لانتزاع معرفتها بالنسج مجددا.
لدي كثير لأكتب عنه، أصدقائي الذين توفاهم الله. العداوات التي انتهت بالسلام، الاعتذارات التي أؤجل بعضها سنوات وسنوات. التوضيحات التي ضمن عقدي الاجتماعي ذات الوجوب في توضيحها. سنوات وسنوات من التجارب والأشخاص، ما الذي سينجو منها؟ وما الذي سأستطيع كتابته. في كل الأحوال، أنا في نقطة انطلاق جيدة، دعني أفتح الباب لصفحة جديدة. أراكم في التدوينة القادمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق