للمرة الأولى في حياتي أستطيع أن أؤكد لنفسي أنني أعرف ما الذي أريده. سواءً ما أريده من الحياة، أو ما أريده من هذه المدونة من الحبر الرقمي.
عبر ما يقارب العشرين سنة شغلت بعض المدونات التي قمت بالنشر فيها الناس، ثم انطفأت وابتعدت عنهم، ثم عادت إليهم، ثم انطفأت. العامل المشترك الوحيد في كل هذه الدفاتر هو القارئ، ذلك الذي عبر السنوات، وسواء كنت في تويتر، أو كنتُ هنا، ذلك الصديق الخفي، يعرف متى يتدخل، ومتى يكتب تعليقه، ومتى يهدي تلك الهدية التي تثبت إغلاق دائرة النص، ووصوله للقارئ، وعودة الحمولة من ذهن القارئ بتعليق إن صدر من القارئ القديم، فهنا الرهان على من يعرفك بعمق، وفي معظم الحالات، النصيحة ستكون في محلها، أما الغرباء الجدد، فهذا وضعٌ آخر سوف نتحدث فيه بعدما نحسم شؤون الأصدقاء القلة الذين سيقرأون هذا الدفتر.
أمامي الكثير من العمل الشاق حتى أتأقلم على الكتابة خارج مربع النص في تطبيق تويتر، الذي أصبح اسمه (أكس) زورا، وظلما، وبهتانا، وابتداعاً. عندما يتعلق الأمر بالوقت، ثمَّة تغيير جذري يمسُّ شيئا مهما من ذاكرتك. وهذا (التويتر) يرصع الذاكرة بالكثير من الأحلام، وأيام السعي للتعبير عن الرأي، وكل ما بدأ من هذه الدفاتر، لينتهي لاحقا إلى تجربة أشعر أنني جاهز لكتابتها. أتمنى أن أفلح في الصدق، وأن أعطي الذاكرة حقها، وأن أملأ الفجوات التي تركتها متناثرة عبر مسيرة حياتية حافلة بالعجائب والغرائب، من الخصومات، والعداوات، والسجن، إلى ذاكرة الطفولة، وذاكرة الدراسة، وربما القليل من علم النفس.
أنشأت هذه المدونة بسبب كبير بسبب شخص لا أعرفه في الواقع. اسمه هاشم الجحدلي، يكتب في تويتر منذ سنوات، وأتابعه يوميا لسبب لا أعرفه. لا أعرف ماذا دهاه يوماً ما ليتصل بي ويضرب في وترٍ عميق بي، لقب (المهذون) الذي قصفته الظروف من يدي. الذي كان يقرأ هذا الدفتر الرقمي سيعرف القصة. يتصل بي، وبصدقٍ يخترق القلب يقول لي: دع عنك هذا اللقب!
حسنا، ما دام ينوي أن يلهمني، دعه أيضا يحتمل المطولات الكتابية التي سوف تسكب في هذا الدفتر الأخير، على أمل أن كل ما فعلته من قبل قد نجح في السيطرة على جموح الخيال، وهمزات النفس، وانتصار الحقد على الحقيقة بانتصار الحقيقة على الكراهية.
لدي شعور لا بأس به أنني هذه المرة سأعرف ما الذي أريده من الكتابة. لم يعد الأمر تمرينا، ولا تدريبا لمقاومة آثار تقدم العمر. لم تعد المدونة معبداً أقف في فنائه مضحيا بكل شيء فقط من أجل حلمٍ عميقٍ في القلب اسمه: التدوين! وسأراهن رهانات كثيرة جدا في هذه المدونة، رهانات أتركها للعمر، وأيضا كإرثٍ لا أعرف سينفع من. أسأل الله أن يكون نافعاً، وأن يصوّب بعض الحقائق، وأن يعيد بعض الحقوق إن تيسر ذلك، وأن يصلح بعض الذي في زمانٍ سابقٍ قُلتُه ولم يكن صادقا. ثمة ردود كثيرة، وبيانات، وتوضيحات، وأحداث أجد أن وضعها في مكانٍ واحدٍ، مكتوبة بأقصى درجات الموضوعية، بفهمٍ للذاكرة، وبنية حقيقية على عدم إقحام هذا الدفتر في صراعات الآن واللحظة، قديمة كانت أم حديثة.
أنوي أن أكتب، وأمامي عدة أيام صعبة بعض الشيء، أمر بمرحلة صناعة عادات جديدة، والتخلي عن عادات سابقة، وتغيرت بعض رهاناتي الفكرية تغيرا جذريا، لن أكتب عن هذا داعياً أو داعيةً، قانوني في الحياة هو ألا أفرض معتقدي على أحد، وبالتالي أتمنى أن يفهم الآخر أنني لا أقبل أن يفرض ما يعتقده علي.
بناء نظام مع القارئ، وبناء نظام مع المحرر. واجباتٌ تستجد، وإضافات أخرى متاحة فقط في عالم النشر البرزخي هذا، الرقمي، غير الورقي، ومع ذلك الأكثر صمودا أمام كوكب (التايملاين) الذي لم تعد صحتي تحتمل المكوث فيه وحوله.
عائد للتو من ما يقارب الأربعين يوماً من الانقطاع التام عن الهاتف والإنترنت ولوحة المفاتيح، انقطاع لم يحدث من قبل طوعياً. لست مستعدا للكتابة، وأمامي عدة أيام حتى يصفو ذهني ويتجه إلى حيث أردت دائما، إلى منطقةٍ أقصى ما يزلزله هي القهوة فقط، لا سجائر، ولا متلفات أخرى قدر الإمكان.
سأحاول دمج كتابة المقالات مع النشر في جريدة الرؤية، ويجب أن أتخذ قرارا واضحا تجاه مدونة دون حبر. عودة كاتبٍ إلى صومعته، وراهب إلى معتزله، وإنسانٍ قضى وقتاً طويلا يعيش دوراً لا يطاقُ ولا يناسب تكوينه، وطبيعته الميّالة للعزلة.
حسنا، هذه التدوينة ستكون ضمن (آيات) الدفتر، وهي التدوينات التي أكتب فيها عن الكتابة، وعن المنصة التي أنشر فيها، وتعاملي مع مختلف حالات الكتابة، ولكل كتابة جودة خاصة بها، وهناك ما سيتراكم ويتحول لكتاب، وهناك ما يبقى سرداً رقميا، اجتماعيا، تواصليا، مع القارئ القديم أولا، ومع القارئ الجديد إن كان هناك من بقي يقرأ المدونات أصلا!
هذه المرة، لا حراكات تدوين، لا راية عامة تخرجني من حالة الفرد، لا منصة استفزاز، لا منصة هجوم، لا أداة، ولا حتى لعبة ضوء. بشروط اللغة، والكلمات، وبقانون الأفكار، سيصنع الحبر طريقه الخاص، وما يصل للأذهان يغلق الدائرة، وقد يعيد نفثة صغيرة من عقل بعيد تصوب سياقا منكسرا، أو تحيي سياقا مهجورا، أو تشير إلى خطأ، مجرد خطأ غير منطقي، هذا ما كانت تفعله هذه الدفاتر بي في عمر النشأة والتكوين، ومن هنا اكتسبت معارف كثيرة كان أهمها ذلك التواصل الباقي أمام نص متكامل لن يرحل بعد قليل إلى (خط زمني) سريع يختلط فيه فيديو شخص يحاول تقليد جحش جبلي، إلى بيان لترامب، إلى تغريدة مثيرة للجدل لشخص عكس الناس. هنا يختلف الوضع تماما.
في الثالثة والأربعين، أبدأ الكتابة، للمرة الأخيرة كما آمل، وفي الدفتر الأخير، لدي اطمئنان لا بأس به أن هذا الدفتر سيكون الأخير، وأنني فعلت ما بوسعي لكي أحل على عزلة الكتابة جاهزا، درست التخصص الذي يساعدني على فهم ذاكرتي، وأمامي حالات استعادة وتأمل وترتيب أوراق، وإعادة النظر في مسارات كثيرة. وأين ستأخذني رحلة الكتابة؟ لا أعرف إلى أين، ربما رواية، أو مجموعة كتب محررة بيد ناشر ضليع، أو ربما يجمعها هاوٍ ويحولها لكتاب، أو ربما أجمعها في كتاب، سيكون تحديا حقيقيا أن تكتب بنفس مادة تنشر في كتابة، وأن تكتب الكتاب نفسه.
أشعر ببعض الحيرة، لا أعرف حتى الآن ماذا يفعل التدوين في زماننا الجديد هذا. هذه المدونة هي محاولة للصدق. محاولة ليشهد العدو قبل الصديق أن الذي كتب كان منصفا، للعدو، وللخصم، وللصديق، والأهم، للحقيقة، سأخطئ قطعا، وسأصلح الخطأ قدر طاقتي، أريد دفتراً واحداً أن يجمع كل ما حدث، وربما هذا هو الدفتر المنشود. عادة الكتابة في تويتر عادة لن يكون من السهل أن أتركها، ولا التفاعل مع الذين تعودت منهم استفزاز الكتابة في أعصاب البشر. ثمة نداء واضح أتبعه هذه المرة، لم يعد الأمر طنينا ألعب معه الشطرنج، أو غضبا مكبوتاً أطلقه حذرا ويفلت في زلات اللسان، هذه المرة أنا لا أعرف أين ستذهب بي الكتابة، الذي أنا متأكد منه هو أنني ذاهب للكتابة، إلى أين؟ لا أعرف، فقط أقول: إلى ما يجعل الحقيقة في نصابها. كل إنسان يشعر في قلبه أنه يبدأ شيئا ما، للمرة الأخيرة، وحتى نهاية العمر، وأرجو أن تفلح هذه المدونة في الإجابة على أسئلة كثيرة تركتها متناثرة متعمدا حتى يحين العمر الآمن الذي أجيب فيه على كل شيء. ما لا أستطيع قوله لن أكتبه، ولن أشوهه، وما أستطيع أن أكتبه سأسعى إلى سرد الحتمي منه فقط، ما يكفل للحقيقة إنصاف نفسها، ربما أنجح، ربما أفشل، لدي شعور في قلبي أنني حقا أريد هذا الدفتر أن يكون الأخير، وعسى أن أنجح في ذلك!
صدق بلا جلد ذات، سردٌ بلا هتك خصوصيات، سيرة بلا تبريرات، وآراء تقبل وصفها بالخاطئة، وحكمٌ لا يزعم صاحبها أنه خبير يُسأل، عسى أن تكون حكمةً تنفع، أو ذكرى لمؤمنٍ، أو خط عودة لمشكك. حسنا، يتضح لي كيف ستكون آيات هذا الدفتر، كنت بحاجة حقا للكتابة لكي أفهم ما الذي أنوي عليه في دفترٍ جديد أسميه الدفتر الأخير، أنوي أن أكتب وصيتي، وذاكرتي، وسيرتي، وأحلامي، وأيامي، وقصصي. لم يمض العمر في ثوانٍ لكي أكتبه في مختصرات تأخذ دقائق، القارئ الثقيل يبحث عن نصٍ جديدة يفترسه، والقارئ الذي لا يقرا ماذا بيدي أن أفعل به؟ لا شيء، أنا في الأربعين بما يكفي لكي لا أجد أي دافع لتشجيع أحد على فعل أي شيء!
سأحاول أن أرتب عقلي، وطريقة الكتابة، ومنصتها، ولوحة مفاتيحها، ووقتها، وظروفها، والأهم: أن أكتب فقط عندما يكون نداء الكتابة ملحا. وعندما يخفت هذا النداء سأفعل ما سأفعله بعد قليل، أنهي هذه التدوينة، ونلتقي في تدوينة أخرى كما آمل.
معاوية الرواحي
20/8/2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق